الاثنين، 5 سبتمبر، 2016

نص اعجبني : ما العشق؟

هام  أحد السادة على وجهه بعيدا عن أسرته ، و ساءت حالته من عشق صبي يبيع الفقاع، و من فرط عشقه ذاعت قالة السوء عنه، و كانت له ممتلكات و ضياع فباعها و اشترى بثمنها الفقاع، و على الرغم من تخليه عن كل ممتلكاته و ترديه في الفقر، إلا أن عشقه كان يزداد و يتضاعف، و على الرغم من توفير هم الخبز له على الدوام،  إلا انه كان في جوع دائم، حيث كان شبعه من الروح دوما، و ذلك لأنه يشتري فقاعا بكل ما يصله من خبز وفير، و كان يمضي وقتا طويلا أسير الجوع، و ذلك حتى يتجرع مائة كأس من الفقاع.

 و سأله سائل: أيها الحزين المضطرب، ما العشق؟ لتوضح لي سره. فقال: هو ان تبيع مائه عالمٍ من المتاع مقابل كأس واحدة من الفقاع، و إذا لم يرق هذا العمل لآدمي؛ فكيف يعرف العشق و الالم؟ 

فريد الدين العطار
منطق الطير 

الأربعاء، 31 أغسطس، 2016

ألفونس


دعني أخبرك بأول القصص، عندما كنت في التاسعة ، كان أبي يمتلك مصنع ملابس،  كل يوم كنت انتظر نهاية اليوم الدراسي  لكي أمر على المصنع  في طريق عودتي،  و كانت تلك الفقرة هي الأكثر إثارة في برنامج اليوم، ادخل بحقيبتي الممتلئة إلى هناك و يتبدد التعب كله و يحل محله البهجة لمجرد سماع أصوات الماكينات المرتفعة جدا، كانت رائحة وبر الأقمشة تملئ المكان و العاملين هناك،  بوابة على عالم مختلف لا اعرف عنه شيء ، انتبه إلى طريقة أحاديثهم ، و أتذكر ارتباطهم الوثيق بالشاي و السجائر، و أعواد الدخان  التي كانت خلف آذنيهم، أتذكر أطراف أناملهم الخشنة، و اضحك إذا نطقوا كلمة أجنبية بطريقة غير سليمة، كنت أحاول تصحيح لهم النطق ثم يفشلون، و يكون ذلك مصدر للضحك من جديد.  في ساعة راحتهم و الغذاء كنت أتقمص أدوارهم،  أقف أمام الماكينة و أتخيل إنني أديرها و أتابع العمل  بنفسي، ثم أقف منشغلة بعدد الصناديق الممتلئة حتى حافتها ، و تنتهي اللعبة سريعا لتأخذني أمي الي البيت. 
شارع بيتنا القديم كان ممتلئ بفيلات صغيرة قبل أن تحتله عمارات شاهقة لا معنى لها و لا ذوق، لم يعد هناك إلا بعض البيوت القديمة المهملة  ، أحيانا كنا نتقابل مع ألفونس و نحن عائدتان.
 إذا رأيته، سوف تعتبره من المجاذيب ، ينقصه مبخرة في يده ،  أمي تعرفه جيدا تلقي عليه التحية و هو يبادلها السلام   و الترحاب ، كان و لازال بالنسبة لي علامة استفهام كبيرة، و كأنه خرج توا من كتاب حكايات ألف ليلة و ليلة أو من احدي قصص الأساطير القديمة،  بسبب هيئته الغريبة كان قصير،  نحيف و أسمر،  أسنانه غير مكتمل عددها داخل فمه.  أبكم و ضعيف السمع،  يضع فوق رأسه فراء خروف بني متساوي بدقة،  عندما يكون حزين يضع عليه خرزة حمراء و يزداد عدد الخرز الأحمر فوق رأسه بمقدار الحزن داخله ليصل عددهم إلى خمسة خرزات ، و إذا كان سعيد يستبدل لونهم بالون الأخضر ، عندما كان يضع الخرز الأخضر ، أمي تبتسم له و تشير  بإبهامها إلى أعلى قائلة بصوت مرتفع: أنت كده  كويس أنت كده مبسوط؟ ،  و هو يضحك لها و يردد  بنطق غير مفسر :  مبسوط مبسوط.  انظر إلي أمي  و اسألها: انت بتتفاهمي معاه ازاي ؟. عرفت انه يجيد قرأت الشفاه ، أتعجب من أمي ، كيف تتكلم مع هذا الشخص الغريب، المخيف إلى درجة كبيرة ، و لكنها لم تكن تخاف منه.

ظل الحال هكذا،اذهب إلي المصنع و أحيانا يقطع دربنا ألفونس بدون سابق إنذار.  أتأمل حركته و الخرز فوق رأسه ، حتى جاء يوم قال لأمي بلغة لا افهمها  انه يدعونا لزيارة بيته لكي يرينا شيء ما، انظر إلى أمي و أشد طرف أكمامها لكي تعتذر له، و لكنها تجاهلتني تماما و واصلت الطريق معه حتى استسلمت للأمر الواقع؛  في الحقيقة راقت لي فكرة  مستترة داخلي بأن اكتشف بيته . 
ألفونس يعيش بمفرده داخل فيلا صغيرة بها حوش مهجور ، كنت اعرف ذلك و اعرف أيضا انه يخرج من البوابة يصرخ في وجه أي شخص يقف أمامها،  عندما دخلنا لم نجد غير أساس جديد لونه ابيض كل  شيء بالداخل كان ابيض، نظيف و مرتب ، هو الذي صنعه بمفرده ، و رأيت مكتبة ضخمة لا تحتوي على كتب  او أي شيء و لكنها تحتوي على أرفف  و خزائن سحرية تخرج من كل جانب ، على الجدران لوحات كثيرة دقيقة الصنع رائعة الجمال، معلقة بعناية، هو الذي رسمها، و تمثال في المنتصف  منحوت من الأربعة أوجه، به ثعبان ضخم  و تفاحة ادم و حواء، و في الأسفل أشخاص كثيرة تمتد أياديهم إلى أعلى يصرخون و يستنجدون بأحد. أمي تسألت:  و انت قاصدك ايه بالتمثال ده ؟ ، رد ألفونس بلغة هشة فهمتها بعدما قررها عدة مرات:   تؤلف و لا تؤلفان.  لم افهم معناها  و لكن الجملة أثارت فضول داخلي.  عند خروجنا من بيته تبدلت نظرتي له،  لم يعد ألفونس المجذوب بل كان ألفونس  الفنان العبقري. بعد صمت من هضم و استيعاب ما رأيته من جمال و غرابة الموقف بأكمله،  استدرت ناحية أمي اسألها عن معنى جملته الغامضة ، تؤلف و لا تؤلفان!، قالت ربما كان مقصده بان يوم القيامة سيحل على الأرض قبل الألفية الثانية ان تأتي الى عالمنا. وقتها ملأني الخوف و الحيرة ، كيف له أن يعرف الأسرار الإلهية  و رجعت أنعته بالمجذوب من جديد. 
و ظلت جملته تتردد داخلي من حين لآخر، و ظللت اشعر بانقباض في صدري عندما أراه .

 بعد عدة سنوات قليلة  جاءت الألفية الثانية و احتفل العالم بأكمله  و لكن ألفونس هو الذي رحل و ليس العالم . 
ربما كان محق،  لأن كل شخص حياته هي العالم بأكمله، إذا انتهت، انتهى  معها العالم. ربما كان عبقري، و ربما كان يعرف أشياء عن الأسرار الإلهية.  
و ظللت اذهب إلى المصنع ، و أعبر بجانب بيته، أشعر بنفس ألانقباضه خلف أضلعي  .

الثلاثاء، 16 أغسطس، 2016

لقد أمطرت في أغسطس !

قالوا لي إنها أمطرت، لم أرها و هي تمطر ،  يمكن أن تستنتج هطول الأمطار من أثار المياه على الأرض، تعرف إنها كذلك عندما تشاهد قطرات المياه المتناثرة فوق زجاج السيارات ، او تلاحظ ان الأحذية و  أطراف السراويل متسخة قليلا ، و لكنني لم ألاحظ أي من تلك العلامات.
كان اليوم حار مثل اي يوم في اغسطس ، و كل شيء حولك جاف و ساخن ، حتى المشاعر من حولك تلتقط أنفاسها بصعوبة.
الكل يحاول الاختباء على قدر المستطاع، و انا مع الجميع  هاربة من الحرارة داخل الصناديق الأسمنتية المكيفة.
 جاء إلي صديق، هدوءه خفيف على القلب، مبتسما  ، يخبرني انه لحّن الكلمات التي كتبتها يوما و أخذها مني، لم اذكر شيء من الكلمات التي استقرت داخل دفتر قديم في درج مكتبي .
 وراء كواليس المسرح التي كنا فيه، جلس فوق بيانو عتيق ، رفع الغطاء عنه و بدء يعزف مقطوعة  جميلة و يغني معها كلماتي.
لمعت عيني ، و ابتسامتي جاءت من مكان بعيد، ها هي أغنيتي يصاحبها لحن جميل تملأ فراغ المسرح، متراقصة فوق الخشبة  تداعب ستائره الحمراء. 
بعد ان انتهى صديقي من العزف و الغناء، وعد ان يعمل اكثر على اللحن، كنت أريد أخباره انه جيد جدا، زحف الي الدهاليز المتشابكة و وصل بسلاسة الي قلبي ، و لكني سكت ربما هناك المزيد من السعادة اتية خلف تلك الأسطر البسيطة ، التي أيقظت شهيتي للكتابة.
رحلت حاملة  النغمة و ذكرى الكلمات، و بعد ان تخطيت الأسقف الخراسانية كان في أحضان الأفق الشمس مختبئة خلف سحابة ضخمة، و يتسرب من أطراف الغيمة أنوار احتفالية متدرجة ما بين البرتقالي  و الأحمر
و كأن السماء تضحك ألف ضحكة، حينها أدركت انها يمكن ان تمطر في أغسطس .