السبت، 3 ديسمبر، 2016

العراف



منذ أن تقابلت مع رامز، أحاول أن أعمل بنصيحته، أفشل أحيانا و أنجح أحيانا أخرى،  يومها التقينا في حفل كبير، و رغم الموسيقى و الزحام دار بيننا حديث لا يشبه أي حديث دار بيننا من قبل. عندما نظرت له رأيته شاردا في فكرة ما تتطاير حول رأسه؛ بادرته بسؤالي 
ـ إيه في ايه، رحت فين ؟
قال لي بمنتهى الجدية، انتي لازم تتعلمي تخربشي شوية. لم افهم قصده ، أو فهمت و تصنعت بإيماءة خفيفة برأسي و نظرة عيني عدم الفهم؛
ـ يعني تتخانقي، تزعقي، تكوني بجحة شوية، تقولي اللي بيضايقك كده بسهولة ، مش هايحصلك حاجة صدقيني. وقتها ارتبكت ، و هل يظهر على ملامحي شيء يوشي بضيق!؟ ، لم ينجح فستاني و الزينة برسم نوع من البهجة ؟؟ لماذا يقول لي هكذا ، فهو لا يعرفني معرفة جيده كي يعطيني تلك النصيحة الغريبة. تغلبت على اسألتي و كأنه شيء عادي ان يدخل إلى العمق و ينصحني؛ 
 مش بعرف اخربش!! دي حاجة مزعجة جدا انك تخربش، فكرة اني اعكر مزاجي و أمسك في خناق الناس ، فكرة موترة جدا، و ان في نوعية من البشر مش بتفهم الكلام و لا بتحس بالتاني و لا بتقرا الرسايل اللي بتكون واضحة وضوح الشمس و صريحة ، حاجة مش بفهمها . ، يعني لازم تخبطهم فوق راسهم عشان يفهموا
.ـ بس الواضح إن الألم متعب و الحل الوحيد هو انك تكوني بجحة و تطلعي كل اللي جواكي
،يقول لي من الواضح!؟ لم افهم كيف يكشف خبايا لم يعرفها غير اقرب الأقربين
ـ الحياة دايما فيها وجع بشكل أو بأخر، أنا عارفة إني ماستحقش الألم، و لكن الألم هو اللي خلاني أجمل و أنا استحق إني أكون أجمل . عشان كده أنا ممتنة للألم و الأوقات الصعبة . لانه بيساعدنا نتغير و يفهمنا قيمة الحياة. لازلت لا افهم كيف كشف الغطاء من تحت ابتساماتي و استكملت الحوار معه، معظم الناس بتمر بفترات صعبة المهم هاتتغير ازاي بعد ما العاصفة تمر !؟ سرحت في فكرة عابرة و استكملت حديثي معه، كان في واحد صاحبي بيعرف يخربش كويس و كان عايز يعلمني فا بيقولي لو عايزة تعرفي حد بجد ، لازم تدوسي على رجله  بس انا كمان مش بعمل كده بسهولة
ـ ده يا ستي المسيح نفسه كان بيخربش، لما دخل الهيكل و شاف الناس بدل ما بتصلي بتبيع و تشتري و تفاصل  وقتها خربش و زعق و و ضرب و طرد الناس و رمى بضاعتهم على الأرض
 سكت، و عيني ظلت تنظر له و كأنها تريد الرد، و كل الإجابات داخلي تؤكد إن لديه كل الحق
 يعني هو ده المطلوب من الواحد انه يتعلم يخربش و يشتم و يزعق عشان ماحدش يضايقه! ، لان طول الوقت بنقابل ناس حولينا بتضايقنا ، دي مش عيشة على فكرة
سكت و ظل ينظر إلي، كأنه فرغ من كلامه معي
و انا سكت و ظللت أنظر إلى أظافري ، أفكر في تغيير لون طلائها 

الأحد، 6 نوفمبر، 2016

باب البحر

عندما بلغنا  البئر توقفنا حتى نستريح و نرتوي ، أدركنا حينها أن  البئر يملئه ظلام عميق و أجوف و لا نرى نهايته فبلغنا اليأس و تلاشى عزمنا لاستكمال السير ، كل واحد  اتخذ حيّز من سور البئر يتكئ عليه ليريح ظهره و قدميه، جلست منهكة  انتظر حدوث معجزة تنتشلنا من  وسط هذه الرحلة اللعينة، لقد أغرقتنا  الرمال،  و الهواء الساخن  يضرب  وجوهنا،  جفت شفاهنا و  حدث لها تشققات مؤلمة. و لم نعد نتحدث إلا إذا عزم أحدنا بالشكوى  أو لوم الآخر على خوض تلك الرحلة  المجهولة  و لكن منذ البداية كلانا  كان يريد الوصول  إلى باب البحر ، كلانا اتخذ القرار بمفرده ، دون آي ضغط  من الطرف الآخر .
الآن لم يعد في وسعنا غير الانتظار، ربما رفقاء الدرب يلحقون بنا، ربما استطعنا بعد حين استكمال الطريق، لكن كل ما اعرفه في تلك اللحظة إن الانتظار مخيف و مجهول .
مع حلول الليل كانت السماء متزينة بكامل حلاها لنا ، النجوم أجمل ما رأيناه،، لم نتكلم  عن السماء و لم نتأملها معا حتى،  ظل الصمت قابع بيننا، كل الأحاديث فرت في الظلام و تلك كانت أطول ليلة مرت علينا منذ بداية الرحلة و  كل ما تمنيناه هو إشارة بالنجاة .  


وحدي انا هنا رغم سماع أنفاسه جانبي ،   لم اعد أتذكر منذ متى بدأنا تلك المسيرة، و كيف تجمع شملنا هكذا، بدأت تلك التجربة  بعدد لا بأس به من الشباب، جميعنا  من مواليد  الثمانينات،  لا احد يعرف من نحن ، و لكننا نعرف بَعضُنَا بعضا جيدا ، بمجرد أن حدث لقاء غير مدبر؛  شيء ما داخل نظراتنا و بعض الكلمات المتناثرة داخل أحاديثنا  أكدت أننا ننتمي الى نفس المرفأ. جميعنا قاصدين الطريق ذاته المؤدي إلى باب البحر .
نحن من نحمل  داخل أرواحنا رجاء لحياة حقيقية ، بعيدة عن تيارات المعتقدات و الموروثات و الزيف.
 في ليلة قمرية اجتمعنا فيها، عقدنا العزم يومها للبحث عن باب البحر.
في بداية الطريق الكل حمل أمتعته خلف ظهره و بدأنا السير سويا،  مجموعة مؤلفة من عشرون شابا و شابة  ، نستمع إلى الموسيقى ، نستمتع  بكل بسيط و تلقائي ، و نجتمع في حفل ليلي للشواء نتناول وجباتنا حول الحطب المشتعل، نلعب سويا ، نتسامر و نتبادل أطراف الحديث عن تصوراتنا حول باب البحر،  منهم من قال إنها المدينة الفاضلة و آخرين  تخيلوا إنها ارض السعادة و السلام و اثنان أكدوا  إنها ارض الحرية، كان يقيني انه المكان الذي تستطيع ان تعيش فيه كما تملي عليك روحك، تأخذ ما تعلمته معك و تغربله من كل شائبة تشوه معها  الحياة،  أما هو كان يجلس خلفي، استمع إلى صوته و لا أرى وجهه ، قال بهدوء ، باب البحر هو اعتذار عن كل سوء  و حزن أكترثته الحياة في حقنا، مكان يسمح بان تطيب كل الجروح التي أحدثناها بحق أنفسنا. وجدتني منجذبة له و وجدته يضحك معي و يضحكني كثيرا،  و من حينها سلكنا الطريق سويا ، أتذكر اليوم الذي أفلت يديه للمرة الأولى،  عندما كان علينا أن نتسلق الجبل ، وقتها استسلمت و عبرت مع العابرين عبر الطريق الممهد ، رغم سهولته كان رطبا و شديد البرودة ، ثم التقينا من جديد بعد أيام  عند البحيرة صغيرة .استقبلني يومها مثل طفلة صغيرة عادت لأحضان أبيها.

تبدل صوت أنفاسه جانبي أصبحت متصارعة و عالية، و شعرت بضيق في صدري  لا أراه في الظلام و عندما صحت له،  سكت تماما و لم يرد على ندائي  في تلك الليلة  .
مع أول نور شق الظلمة استيقظ ، صوت خطاه  أيقظني ،   فتحت عيني، وجدته بعيدا يبحث عن  طريق أسفلت أو أثار سيارة ، و عندما عاد ، نظر إلي قائلا  لا طريق و لا أثر  ، قال باسما و هو يمسح الكحل من تحت عيني، ماذا سنفعل الان ، لولا ابتسامته لكان السؤال تغير مساره و امتلاء بالحيرة و اليأس ، وقتها زال الخوف عني و شعرت بقلبي  يضخ الدم في عروقي من جديد
 قلت له  لقد حان الوقت  لنغتسل تحت الشمس ، لأريك كل علة بي و تريني كل مخاوفك و هواجسك ، فإذا لم يتغير إحساسك، نستكمل الطريق سويا و إذا بادرك شعور بعدم الارتياح نأخذ طريق العودة ، كلانا يعرفه جيدا.
ظللنا نمشي تحت ضوء الشمس ، احكي له ثم يستوقفني و يعيد كلامي محاولا  تقليد طريقة حديثي و نبرة صوتي فأضحك من جديد له . و خلفنا من وراءنا أثار أقدامنا على الرمال،  أربعة  خطوط متوازية يسيرون معا، باحثين عن  أسطورة باب البحر