الأحد، 25 ديسمبر، 2016

الرد على رسالتها الأخيرة


الساعة تعدت الخامسة بدقائق قليلة، داخل مقهى البن البرازيلي بوسط البلد انتظر ابنتي حتى تنهي درس الرقص ، رائحة القهوة كفيلة على إجبارك لاختيارها رغم أن الشوكولا جلاسيه هنا أفضل شوكولا جلاسيه على الإطلاق لكن في النهاية القهوة وحدها تنتصر. المكان يعج بالناس ، في الركن مقعد أحمر وحيد متاح، تمنحك الأركان بعض الخصوصية. شئت أم أبيت تأتي بأفكارك هنا لتواجهها ، المكان ضيق و ممتلئ بالمرايا ، أينما نظرت سوف تلتقي بوجهك، مضطرا النظر إلى ملامحك و ما ورائها، و تشاهد نفسك و أنت ترفع الفنجان كل مرة و تقترب به إلى شفتيك، و تفكر لحظتها إلي أين أفر من عيني. منذ فترة طويلة و أنا أخاف أن انظر إلى المرآة ، و لكن منذ اشتراك أبنتي في دروس الرقص و أنا أواجه  انعكاس صورتي هنا أسبوعيا. 
مثلما هي القهوة سيدة المكان هنا، أيضا الأغاني الفرنكوفونية لها حضور طاغي، حينما اسمع صوت أديث بياف اشعر بسعادة تعتريني و ألفة غريبة تدثرني، وقتها فقط يزداد حبي للمقهى، أتأمل المعدات القديمة و انظر إلى الأنابيب التي تكشف عن أنواع حبوب القهوة داخلها بدرجات ألوانها المتقارب و فوق كل منها لافته مكتوب عليها اسم كل صنف بالخط العربي القديم. أنظر إلى مقتنيات الخزانة الزجاجية جانب المدخل التي تحتوي على بعض الانتيكات.
بعد بياف ، جاء دور داليدا بصوتها المختلف و لكن شيء ما يحدني عن الاستماع إليها، كلما سمعتها أراها مستلقية فوق فراشها تبتلع الحبوب المهدئة الواحدة تلو الأخرى، و تكتب رسالتها الشهيرة لا ادري لمن كانت توجهها، تحمل هذه الجملة: سامحوني لان الحياة لم تعد تحتمل. هذا المشهد برمته يحدني من الاستمتاع بصوتها.  أتساءل إلى آي مدى ساءت حكايتها. إلى آي درجة من الإحباط و العذاب وصلت إليه . 
انظر إلى المرآة أُجري معها حديث سري يدور في رأسي و كأنه يخرج من عيني بدلا من فمي المغلق، أخاف أن انجذب إلي تلك الرسالة، إلى تلك الحالة المأسوية من الاستسلام و يصبح صوت داليدا المفعم بالسحر و القوة مثل النداهة، يجذبك لها حتى يسلبك كل قوتك للمقاومة ، أهرب من صوتها و قصتها التي تنير و تنطفئ في رأسي مثل اشارة محطة القطار. و ما أسهل الانجذاب إلى رسالة داليدا و الانجراف خلفها ، لان الحياة أصبحت سريعة و كل الناس التي تتعامل معهم لا يجيدون سبل الحياة فإما تبحر معهم في عوالمهم، إما أن تظل تقاوم ، و من يستطيع لجم هذا التيار السريع من تشوه المعاني, و كيف نكون دائما في كامل يقظتنا لكي نظل منتبهين إلى أنفسنا و اختياراتنا، و من يطيب ندوب أرواح الناجين الذين انجرفوا على غفلة منهم ، سأظل أحاول، لأن الاستسلام هو مرض الاعتياد، أو الغوص في عوالم غير عوالمك لتواكب الباقيين ، تسير بسرعة غير سرعتك و تنساق مع الشائع و الملائم.  أدركت فاجئه و أنا أتطلع إلى المرآة  إننا في لحظة ما نحظى بفرصة للتحول حينها كل الحقائق تنير داخلك، و ما عليك فعله هو اغتنام تلك الفرصة و الاعتناء بضوئها. أن الانتظار الذي يمنحك المزيد من الوقت شفاء و محاولات الفهم شفاء، الاستيعاب شفاء، إيجاد بركة في الأشياء التي تحدث و الامتنان لها شفاء، لغتك و ما تقوله لنفسك شفاء ، الشفاء يعني أن الضرر الذي عشته لم يعد يسيطر على حياتك بل تجاوزته لتستمر على نحو مختلف، في الشجاعة و مواجهة نفسك شفاء و في البساطة شفاء و في الله شفاء . فالسبل كثيرة يا داليدا و لكن سامحيني رغم حلاوة صوتك لازلت أتجنبه، رغم كل الإدراك هذا، الخوف مازال يحاصرني هنا، لحين أن يتم شفاء روحي بشكل كامل سوف افعل أشياء عدّة كي أنجو من الاستسلام، سوف استمع إلى آلاف الأغاني المختلفة و اكتشف دروب جديدة، و اعمل بكامل طاقتي ، و أعلّم ابنتي الرقص و اشتري كتب كثيرة و أحب من حولي و ابتسم في وجوههم  و اكتب عن كل هذا لان في البوح شفاء أيضا. 
أوشكت على السادسة و رجعت أديث بياف إلى ساحة  الروح و الغناء،  و اشعر بأن لتزال الحياة ممتلئة بالعطايا ألملم أشيائي برضا، ادفع الحساب و انصرف إلى ابنتي ، لعلنا ندير أغنية ما في البيت لتريني ما تعلمته اليوم