الخميس، 15 ديسمبر، 2016

إلى ثومة


الأحد، عطلة شتوية باردة ، بعد ذهاب أطفالي إلى المدرسة، اتجهت إلى الشرفة ، برودة يوم العطلة مختلف عن برودة باقي أيام الأسبوع ، صقيع متصالح جسدك معه ، قلبك دافئ و يديك تحتضن كوب القهوة الصباحي، مختبئة وراء الشتلات التي ازرعها حولي ، سمعت من حيث لا ادري صوت أم كلثوم متسلل إلي، فابتسمت " و هو مين الرايق اللي بيسمع ام كلثوم على الصبح " ، و أنا صغيرة لم أكن أحب صوتها، تلك العجوز الثمينة التي ترتدي نظارة فوق المسرح تعيد و تكرر الكلمات حتى يضيع مني تسلسلها  "غيري المحطة مش بحبها"،  أمي كانت دوما ترد علي بإجابة مختصرة و محتمة "لما تكبري هاتحبيها" ، و أدركت إنني كذلك عندما فرحت بقدوم صوتها كهدية جميلة

 أمل حياتى، ياحب غالى ماينتهيش
 يا أحلى غنوة سمعها قلبى ولاتتنسيش
 خد عمرى كله بس النهاردة
 بس النهاردة خلينى اعيش خلينى أعيش

 تمدد الدفء من قلبي إلى روحي، و لكن يا ثومة لم اشعر قط بذلك الحب الذي يشع من  الأغنية، باءت قصص الحب التي اسمع عنها مبتذلة و أبطالها أشباه محبين، و لكن رغم كل ما رأيت لازلت أؤمن بالحب و الحياة ليست حياة من غيره، في النصف الثاني من سنوات عمري كنت واحدة من تلك الأبطال الضائعين بين صفحات قصتهم الشخصية، و أنا عادتا لا أميل إلى النهايات الدرامية و لكني لجأت إليها كي انهي قصتي المبتورة الممتلئة بالأخطاء الرائجة. صحيح لماذا كل كلمات الأغاني تحكي عن البدايات اللذيذة و الشعور المصاحب لها أو تحكي عن النهايات المؤلمة بأنغام حزينة و بطيئة ؟ لم أصادف أغنية تحكي عن نهاية مباركة، لما لا تحكي الأغاني عن المشوار نفسه. ذلك الدرب الطويل الممتلئ بالاكتشافات و الخبرات الحياتية الممتزجة بالبهجة و الألم. ذلك المشوار الاختياري و الاحتفالي في آن واحد، و العناء الذي يتطلبه لكي ينمو.

أملى ، حياتي ، عينيه، يا أغلى منى يا أغلى منى عليا

تعلمي ، ان الحب بين رجل و امرأة هو اقرب صورة لعلاقة العشق بين الإنسان و ربه، هكذا أنا أظن. الحب الذي يجعلك تشعري انك جميلة و محبوبة، يجعلك تشعي نورا، تنشري به سعادة لمن حولك، ذلك الحب الغير مشروط الذي يقبلك كما أنتِ من غير التحكم في إحساسك اتجاه الأشياء، الحب المتصالح السلس ، المتفهم و المعطاء الذي يحتوي كل شيء بين أحضانه، الحب المتحرر من كل سوء ، الصبور، الغني ، الذي يملأكِ حتى الفيض، انظري لقد أحبني الله إلى حد انه خلق لي الكون و أوجدني به ، ساعد كي تكبر نبتاتي و أزهارها، كم تحمل لي كل ورقة خضراء جميلة رسالة خاصة جدا لا يفهما احد غير الله و انا.  هل غنيتِ مرة، عن التواصل الغريب الذي يتواجد بين المحبين، أغنيات كثيرة تطرقت إلي الحنين و لكن لم تستفيض فيه بعمق ، كلها تطرقت إلى الحنين المبتور الذي يبعث إشارات من جهة واحدة و لكن أتكلم عن حنين آخر ، الحنين المكتمل ، تلك القدرة الغريبة المتبادلة بين طرفين يفصل بينهما أميال، ، قدرة تصنف من الغيبيات الغير ملموسة و لكنها لها دلائلها ، عندما تفكري في احد مثلا أو حلمت به ثم استيقظتِ على رقمه يظهر على هاتفك ، دعك من هذا المثال فأنتِ لم تملكي موبيل يوما ، أقصد أن يأتي لزيارتك على سبيل المثال ، مؤكدا حدث لكِ هذا الأمر مرة على الأقل ، فهل هنالك قوه خفية تتدخل في حياتنا إذا رغبنا في شيء بشدة ، هناك قدرة إعجازية للتواصل، كتلك التي تنتقل من قلبي سرا إلى مخادع الله.

 ياللى حبك خلا كل الدنيا حب
 ياللى قربك صحى عمر وصحى قلب

 الحب يجعلنا نرى الحياة أجمل، و إن لم يأتي من شريك، نتنازل أن نعيشه كدفعة مكثفة قوية مع شخص واحد، و لكنه يتحول إلى دفعات مفتتة نشارك بها كل من حولنا ليتذوقوا حلاوة المحبة الخالصة و كأننا أعطيناهم جزء من الله الذي لا ينتهي و لا ينبض، نشارك هنا بابتسامة، هناك بحضن ، آخر بأذن تسمع. ، و هنا بقلب يتفهم ، و أحيانا نشارك بقدم تترجل مع احد للمؤانسة فقط ، أحيانا أخرى بعقل يفكر لحل معضلة ما ، أو كلمة حلوة تقوي أو نظرة تواصل بين الزحام . لو رجع الزمن لكنت طرحت عليك تلك الفكرة ، ربما كنت أعجبتِ بها و ربما صارحتني بأن السوق لا يتطلب ذلك النوع من الأغاني .

 وسيبنى احلم سيبنى وسيبنى احلم سيبنى
 ياريت زمانى ياريت زمانى مايصحنيش
 مايصحنيش مايصحنيش ياريت ياريت مايصحنيش

هناك تعليقان (2):

عمرو يسرى يقول...

like
اختيار الاغنيه رائع وتعليقك جميل

P A S H A يقول...

:)