الأحد، 6 نوفمبر، 2016

باب البحر

عندما بلغنا  البئر توقفنا حتى نستريح و نرتوي ، أدركنا حينها أن  البئر يملئه ظلام عميق و أجوف و لا نرى نهايته فبلغنا اليأس و تلاشى عزمنا لاستكمال السير ، كل واحد  اتخذ حيّز من سور البئر يتكئ عليه ليريح ظهره و قدميه، جلست منهكة  انتظر حدوث معجزة تنتشلنا من  وسط هذه الرحلة اللعينة، لقد أغرقتنا  الرمال،  و الهواء الساخن  يضرب  وجوهنا،  جفت شفاهنا و  حدث لها تشققات مؤلمة. و لم نعد نتحدث إلا إذا عزم أحدنا بالشكوى  أو لوم الآخر على خوض تلك الرحلة  المجهولة  و لكن منذ البداية كلانا  كان يريد الوصول  إلى باب البحر ، كلانا اتخذ القرار بمفرده ، دون آي ضغط  من الطرف الآخر .
الآن لم يعد في وسعنا غير الانتظار، ربما رفقاء الدرب يلحقون بنا، ربما استطعنا بعد حين استكمال الطريق، لكن كل ما اعرفه في تلك اللحظة إن الانتظار مخيف و مجهول .
مع حلول الليل كانت السماء متزينة بكامل حلاها لنا ، النجوم أجمل ما رأيناه،، لم نتكلم  عن السماء و لم نتأملها معا حتى،  ظل الصمت قابع بيننا، كل الأحاديث فرت في الظلام و تلك كانت أطول ليلة مرت علينا منذ بداية الرحلة و  كل ما تمنيناه هو إشارة بالنجاة .  


وحدي انا هنا رغم سماع أنفاسه جانبي ،   لم اعد أتذكر منذ متى بدأنا تلك المسيرة، و كيف تجمع شملنا هكذا، بدأت تلك التجربة  بعدد لا بأس به من الشباب، جميعنا  من مواليد  الثمانينات،  لا احد يعرف من نحن ، و لكننا نعرف بَعضُنَا بعضا جيدا ، بمجرد أن حدث لقاء غير مدبر؛  شيء ما داخل نظراتنا و بعض الكلمات المتناثرة داخل أحاديثنا  أكدت أننا ننتمي الى نفس المرفأ. جميعنا قاصدين الطريق ذاته المؤدي إلى باب البحر .
نحن من نحمل  داخل أرواحنا رجاء لحياة حقيقية ، بعيدة عن تيارات المعتقدات و الموروثات و الزيف.
 في ليلة قمرية اجتمعنا فيها، عقدنا العزم يومها للبحث عن باب البحر.
في بداية الطريق الكل حمل أمتعته خلف ظهره و بدأنا السير سويا،  مجموعة مؤلفة من عشرون شابا و شابة  ، نستمع إلى الموسيقى ، نستمتع  بكل بسيط و تلقائي ، و نجتمع في حفل ليلي للشواء نتناول وجباتنا حول الحطب المشتعل، نلعب سويا ، نتسامر و نتبادل أطراف الحديث عن تصوراتنا حول باب البحر،  منهم من قال إنها المدينة الفاضلة و آخرين  تخيلوا إنها ارض السعادة و السلام و اثنان أكدوا  إنها ارض الحرية، كان يقيني انه المكان الذي تستطيع ان تعيش فيه كما تملي عليك روحك، تأخذ ما تعلمته معك و تغربله من كل شائبة تشوه معها  الحياة،  أما هو كان يجلس خلفي، استمع إلى صوته و لا أرى وجهه ، قال بهدوء ، باب البحر هو اعتذار عن كل سوء  و حزن أكترثته الحياة في حقنا، مكان يسمح بان تطيب كل الجروح التي أحدثناها بحق أنفسنا. وجدتني منجذبة له و وجدته يضحك معي و يضحكني كثيرا،  و من حينها سلكنا الطريق سويا ، أتذكر اليوم الذي أفلت يديه للمرة الأولى،  عندما كان علينا أن نتسلق الجبل ، وقتها استسلمت و عبرت مع العابرين عبر الطريق الممهد ، رغم سهولته كان رطبا و شديد البرودة ، ثم التقينا من جديد بعد أيام  عند البحيرة صغيرة .استقبلني يومها مثل طفلة صغيرة عادت لأحضان أبيها.

تبدل صوت أنفاسه جانبي أصبحت متصارعة و عالية، و شعرت بضيق في صدري  لا أراه في الظلام و عندما صحت له،  سكت تماما و لم يرد على ندائي  في تلك الليلة  .
مع أول نور شق الظلمة استيقظ ، صوت خطاه  أيقظني ،   فتحت عيني، وجدته بعيدا يبحث عن  طريق أسفلت أو أثار سيارة ، و عندما عاد ، نظر إلي قائلا  لا طريق و لا أثر  ، قال باسما و هو يمسح الكحل من تحت عيني، ماذا سنفعل الان ، لولا ابتسامته لكان السؤال تغير مساره و امتلاء بالحيرة و اليأس ، وقتها زال الخوف عني و شعرت بقلبي  يضخ الدم في عروقي من جديد
 قلت له  لقد حان الوقت  لنغتسل تحت الشمس ، لأريك كل علة بي و تريني كل مخاوفك و هواجسك ، فإذا لم يتغير إحساسك، نستكمل الطريق سويا و إذا بادرك شعور بعدم الارتياح نأخذ طريق العودة ، كلانا يعرفه جيدا.
ظللنا نمشي تحت ضوء الشمس ، احكي له ثم يستوقفني و يعيد كلامي محاولا  تقليد طريقة حديثي و نبرة صوتي فأضحك من جديد له . و خلفنا من وراءنا أثار أقدامنا على الرمال،  أربعة  خطوط متوازية يسيرون معا، باحثين عن  أسطورة باب البحر