الثلاثاء، 27 ديسمبر، 2016

النوة


دعنا هكذا ننهي هذا العام، نمشي سويا بمحاذاة البحر حتى  تضربنا موجة عفية قوية تغرقنا و تغسلنا من الخارج الى الداخل، وقتها انظر إليك ولا استطيع إمساك ضحكتي من فرط دهشتك.  تنظر إلي  و تتحول ملامحك ببطء لتشاركني نفس الضحكة، و نبدأ حينها عام جديد.

الأحد، 25 ديسمبر، 2016

الرد على رسالتها الأخيرة


الساعة تعدت الخامسة بدقائق قليلة، داخل مقهى البن البرازيلي بوسط البلد انتظر ابنتي حتى تنهي درس الرقص ، رائحة القهوة كفيلة على إجبارك لاختيارها رغم أن الشوكولا جلاسيه هنا أفضل شوكولا جلاسيه على الإطلاق لكن في النهاية القهوة وحدها تنتصر. المكان يعج بالناس ، في الركن مقعد أحمر وحيد متاح، تمنحك الأركان بعض الخصوصية. شئت أم أبيت تأتي بأفكارك هنا لتواجهها ، المكان ضيق و ممتلئ بالمرايا ، أينما نظرت سوف تلتقي بوجهك، مضطرا النظر إلى ملامحك و ما ورائها، و تشاهد نفسك و أنت ترفع الفنجان كل مرة و تقترب به إلى شفتيك، و تفكر لحظتها إلي أين أفر من عيني. منذ فترة طويلة و أنا أخاف أن انظر إلى المرآة ، و لكن منذ اشتراك أبنتي في دروس الرقص و أنا أواجه  انعكاس صورتي هنا أسبوعيا. 
مثلما هي القهوة سيدة المكان هنا، أيضا الأغاني الفرنكوفونية لها حضور طاغي، حينما اسمع صوت أديث بياف اشعر بسعادة تعتريني و ألفة غريبة تدثرني، وقتها فقط يزداد حبي للمقهى، أتأمل المعدات القديمة و انظر إلى الأنابيب التي تكشف عن أنواع حبوب القهوة داخلها بدرجات ألوانها المتقارب و فوق كل منها لافته مكتوب عليها اسم كل صنف بالخط العربي القديم. أنظر إلى مقتنيات الخزانة الزجاجية جانب المدخل التي تحتوي على بعض الانتيكات.
بعد بياف ، جاء دور داليدا بصوتها المختلف و لكن شيء ما يحدني عن الاستماع إليها، كلما سمعتها أراها مستلقية فوق فراشها تبتلع الحبوب المهدئة الواحدة تلو الأخرى، و تكتب رسالتها الشهيرة لا ادري لمن كانت توجهها، تحمل هذه الجملة: سامحوني لان الحياة لم تعد تحتمل. هذا المشهد برمته يحدني من الاستمتاع بصوتها.  أتساءل إلى آي مدى ساءت حكايتها. إلى آي درجة من الإحباط و العذاب وصلت إليه . 
انظر إلى المرآة أُجري معها حديث سري يدور في رأسي و كأنه يخرج من عيني بدلا من فمي المغلق، أخاف أن انجذب إلي تلك الرسالة، إلى تلك الحالة المأسوية من الاستسلام و يصبح صوت داليدا المفعم بالسحر و القوة مثل النداهة، يجذبك لها حتى يسلبك كل قوتك للمقاومة ، أهرب من صوتها و قصتها التي تنير و تنطفئ في رأسي مثل اشارة محطة القطار. و ما أسهل الانجذاب إلى رسالة داليدا و الانجراف خلفها ، لان الحياة أصبحت سريعة و كل الناس التي تتعامل معهم لا يجيدون سبل الحياة فإما تبحر معهم في عوالمهم، إما أن تظل تقاوم ، و من يستطيع لجم هذا التيار السريع من تشوه المعاني, و كيف نكون دائما في كامل يقظتنا لكي نظل منتبهين إلى أنفسنا و اختياراتنا، و من يطيب ندوب أرواح الناجين الذين انجرفوا على غفلة منهم ، سأظل أحاول، لأن الاستسلام هو مرض الاعتياد، أو الغوص في عوالم غير عوالمك لتواكب الباقيين ، تسير بسرعة غير سرعتك و تنساق مع الشائع و الملائم.  أدركت فاجئه و أنا أتطلع إلى المرآة  إننا في لحظة ما نحظى بفرصة للتحول حينها كل الحقائق تنير داخلك، و ما عليك فعله هو اغتنام تلك الفرصة و الاعتناء بضوئها. أن الانتظار الذي يمنحك المزيد من الوقت شفاء و محاولات الفهم شفاء، الاستيعاب شفاء، إيجاد بركة في الأشياء التي تحدث و الامتنان لها شفاء، لغتك و ما تقوله لنفسك شفاء ، الشفاء يعني أن الضرر الذي عشته لم يعد يسيطر على حياتك بل تجاوزته لتستمر على نحو مختلف، في الشجاعة و مواجهة نفسك شفاء و في البساطة شفاء و في الله شفاء . فالسبل كثيرة يا داليدا و لكن سامحيني رغم حلاوة صوتك لازلت أتجنبه، رغم كل الإدراك هذا، الخوف مازال يحاصرني هنا، لحين أن يتم شفاء روحي بشكل كامل سوف افعل أشياء عدّة كي أنجو من الاستسلام، سوف استمع إلى آلاف الأغاني المختلفة و اكتشف دروب جديدة، و اعمل بكامل طاقتي ، و أعلّم ابنتي الرقص و اشتري كتب كثيرة و أحب من حولي و ابتسم في وجوههم  و اكتب عن كل هذا لان في البوح شفاء أيضا. 
أوشكت على السادسة و رجعت أديث بياف إلى ساحة  الروح و الغناء،  و اشعر بأن لتزال الحياة ممتلئة بالعطايا ألملم أشيائي برضا، ادفع الحساب و انصرف إلى ابنتي ، لعلنا ندير أغنية ما في البيت لتريني ما تعلمته اليوم

الخميس، 15 ديسمبر، 2016

إلى ثومة


الأحد، عطلة شتوية باردة ، بعد ذهاب أطفالي إلى المدرسة، اتجهت إلى الشرفة ، برودة يوم العطلة مختلف عن برودة باقي أيام الأسبوع ، صقيع متصالح جسدك معه ، قلبك دافئ و يديك تحتضن كوب القهوة الصباحي، مختبئة وراء الشتلات التي ازرعها حولي ، سمعت من حيث لا ادري صوت أم كلثوم متسلل إلي، فابتسمت " و هو مين الرايق اللي بيسمع ام كلثوم على الصبح " ، و أنا صغيرة لم أكن أحب صوتها، تلك العجوز الثمينة التي ترتدي نظارة فوق المسرح تعيد و تكرر الكلمات حتى يضيع مني تسلسلها  "غيري المحطة مش بحبها"،  أمي كانت دوما ترد علي بإجابة مختصرة و محتمة "لما تكبري هاتحبيها" ، و أدركت إنني كذلك عندما فرحت بقدوم صوتها كهدية جميلة

 أمل حياتى، ياحب غالى ماينتهيش
 يا أحلى غنوة سمعها قلبى ولاتتنسيش
 خد عمرى كله بس النهاردة
 بس النهاردة خلينى اعيش خلينى أعيش

 تمدد الدفء من قلبي إلى روحي، و لكن يا ثومة لم اشعر قط بذلك الحب الذي يشع من  الأغنية، باءت قصص الحب التي اسمع عنها مبتذلة و أبطالها أشباه محبين، و لكن رغم كل ما رأيت لازلت أؤمن بالحب و الحياة ليست حياة من غيره، في النصف الثاني من سنوات عمري كنت واحدة من تلك الأبطال الضائعين بين صفحات قصتهم الشخصية، و أنا عادتا لا أميل إلى النهايات الدرامية و لكني لجأت إليها كي انهي قصتي المبتورة الممتلئة بالأخطاء الرائجة. صحيح لماذا كل كلمات الأغاني تحكي عن البدايات اللذيذة و الشعور المصاحب لها أو تحكي عن النهايات المؤلمة بأنغام حزينة و بطيئة ؟ لم أصادف أغنية تحكي عن نهاية مباركة، لما لا تحكي الأغاني عن المشوار نفسه. ذلك الدرب الطويل الممتلئ بالاكتشافات و الخبرات الحياتية الممتزجة بالبهجة و الألم. ذلك المشوار الاختياري و الاحتفالي في آن واحد، و العناء الذي يتطلبه لكي ينمو.

أملى ، حياتي ، عينيه، يا أغلى منى يا أغلى منى عليا

تعلمي ، ان الحب بين رجل و امرأة هو اقرب صورة لعلاقة العشق بين الإنسان و ربه، هكذا أنا أظن. الحب الذي يجعلك تشعري انك جميلة و محبوبة، يجعلك تشعي نورا، تنشري به سعادة لمن حولك، ذلك الحب الغير مشروط الذي يقبلك كما أنتِ من غير التحكم في إحساسك اتجاه الأشياء، الحب المتصالح السلس ، المتفهم و المعطاء الذي يحتوي كل شيء بين أحضانه، الحب المتحرر من كل سوء ، الصبور، الغني ، الذي يملأكِ حتى الفيض، انظري لقد أحبني الله إلى حد انه خلق لي الكون و أوجدني به ، ساعد كي تكبر نبتاتي و أزهارها، كم تحمل لي كل ورقة خضراء جميلة رسالة خاصة جدا لا يفهما احد غير الله و انا.  هل غنيتِ مرة، عن التواصل الغريب الذي يتواجد بين المحبين، أغنيات كثيرة تطرقت إلي الحنين و لكن لم تستفيض فيه بعمق ، كلها تطرقت إلى الحنين المبتور الذي يبعث إشارات من جهة واحدة و لكن أتكلم عن حنين آخر ، الحنين المكتمل ، تلك القدرة الغريبة المتبادلة بين طرفين يفصل بينهما أميال، ، قدرة تصنف من الغيبيات الغير ملموسة و لكنها لها دلائلها ، عندما تفكري في احد مثلا أو حلمت به ثم استيقظتِ على رقمه يظهر على هاتفك ، دعك من هذا المثال فأنتِ لم تملكي موبيل يوما ، أقصد أن يأتي لزيارتك على سبيل المثال ، مؤكدا حدث لكِ هذا الأمر مرة على الأقل ، فهل هنالك قوه خفية تتدخل في حياتنا إذا رغبنا في شيء بشدة ، هناك قدرة إعجازية للتواصل، كتلك التي تنتقل من قلبي سرا إلى مخادع الله.

 ياللى حبك خلا كل الدنيا حب
 ياللى قربك صحى عمر وصحى قلب

 الحب يجعلنا نرى الحياة أجمل، و إن لم يأتي من شريك، نتنازل أن نعيشه كدفعة مكثفة قوية مع شخص واحد، و لكنه يتحول إلى دفعات مفتتة نشارك بها كل من حولنا ليتذوقوا حلاوة المحبة الخالصة و كأننا أعطيناهم جزء من الله الذي لا ينتهي و لا ينبض، نشارك هنا بابتسامة، هناك بحضن ، آخر بأذن تسمع. ، و هنا بقلب يتفهم ، و أحيانا نشارك بقدم تترجل مع احد للمؤانسة فقط ، أحيانا أخرى بعقل يفكر لحل معضلة ما ، أو كلمة حلوة تقوي أو نظرة تواصل بين الزحام . لو رجع الزمن لكنت طرحت عليك تلك الفكرة ، ربما كنت أعجبتِ بها و ربما صارحتني بأن السوق لا يتطلب ذلك النوع من الأغاني .

 وسيبنى احلم سيبنى وسيبنى احلم سيبنى
 ياريت زمانى ياريت زمانى مايصحنيش
 مايصحنيش مايصحنيش ياريت ياريت مايصحنيش

السبت، 3 ديسمبر، 2016

العراف



منذ أن تقابلت مع رامز، أحاول أن أعمل بنصيحته، أفشل أحيانا و أنجح أحيانا أخرى،  يومها التقينا في حفل كبير، و رغم الموسيقى و الزحام دار بيننا حديث لا يشبه أي حديث دار بيننا من قبل. عندما نظرت له رأيته شاردا في فكرة ما تتطاير حول رأسه؛ بادرته بسؤالي 
ـ إيه في ايه، رحت فين ؟
قال لي بمنتهى الجدية، انتي لازم تتعلمي تخربشي شوية. لم افهم قصده ، أو فهمت و تصنعت بإيماءة خفيفة برأسي و نظرة عيني عدم الفهم؛
ـ يعني تتخانقي، تزعقي، تكوني بجحة شوية، تقولي اللي بيضايقك كده بسهولة ، مش هايحصلك حاجة صدقيني. وقتها ارتبكت ، و هل يظهر على ملامحي شيء يوشي بضيق!؟ ، لم ينجح فستاني و الزينة برسم نوع من البهجة ؟؟ لماذا يقول لي هكذا ، فهو لا يعرفني معرفة جيده كي يعطيني تلك النصيحة الغريبة. تغلبت على اسألتي و كأنه شيء عادي ان يدخل إلى العمق و ينصحني؛ 
 مش بعرف اخربش!! دي حاجة مزعجة جدا انك تخربش، فكرة اني اعكر مزاجي و أمسك في خناق الناس ، فكرة موترة جدا، و ان في نوعية من البشر مش بتفهم الكلام و لا بتحس بالتاني و لا بتقرا الرسايل اللي بتكون واضحة وضوح الشمس و صريحة ، حاجة مش بفهمها . ، يعني لازم تخبطهم فوق راسهم عشان يفهموا
.ـ بس الواضح إن الألم متعب و الحل الوحيد هو انك تكوني بجحة و تطلعي كل اللي جواكي
،يقول لي من الواضح!؟ لم افهم كيف يكشف خبايا لم يعرفها غير اقرب الأقربين
ـ الحياة دايما فيها وجع بشكل أو بأخر، أنا عارفة إني ماستحقش الألم، و لكن الألم هو اللي خلاني أجمل و أنا استحق إني أكون أجمل . عشان كده أنا ممتنة للألم و الأوقات الصعبة . لانه بيساعدنا نتغير و يفهمنا قيمة الحياة. لازلت لا افهم كيف كشف الغطاء من تحت ابتساماتي و استكملت الحوار معه، معظم الناس بتمر بفترات صعبة المهم هاتتغير ازاي بعد ما العاصفة تمر !؟ سرحت في فكرة عابرة و استكملت حديثي معه، كان في واحد صاحبي بيعرف يخربش كويس و كان عايز يعلمني فا بيقولي لو عايزة تعرفي حد بجد ، لازم تدوسي على رجله  بس انا كمان مش بعمل كده بسهولة
ـ ده يا ستي المسيح نفسه كان بيخربش، لما دخل الهيكل و شاف الناس بدل ما بتصلي بتبيع و تشتري و تفاصل  وقتها خربش و زعق و و ضرب و طرد الناس و رمى بضاعتهم على الأرض
 سكت، و عيني ظلت تنظر له و كأنها تريد الرد، و كل الإجابات داخلي تؤكد إن لديه كل الحق
 يعني هو ده المطلوب من الواحد انه يتعلم يخربش و يشتم و يزعق عشان ماحدش يضايقه! ، لان طول الوقت بنقابل ناس حولينا بتضايقنا ، دي مش عيشة على فكرة
سكت و ظل ينظر إلي، كأنه فرغ من كلامه معي
و انا سكت و ظللت أنظر إلى أظافري ، أفكر في تغيير لون طلائها 

الأحد، 6 نوفمبر، 2016

باب البحر

عندما بلغنا  البئر توقفنا حتى نستريح و نرتوي ، أدركنا حينها أن  البئر يملئه ظلام عميق و أجوف و لا نرى نهايته فبلغنا اليأس و تلاشى عزمنا لاستكمال السير ، كل واحد  اتخذ حيّز من سور البئر يتكئ عليه ليريح ظهره و قدميه، جلست منهكة  انتظر حدوث معجزة تنتشلنا من  وسط هذه الرحلة اللعينة، لقد أغرقتنا  الرمال،  و الهواء الساخن  يضرب  وجوهنا،  جفت شفاهنا و  حدث لها تشققات مؤلمة. و لم نعد نتحدث إلا إذا عزم أحدنا بالشكوى  أو لوم الآخر على خوض تلك الرحلة  المجهولة  و لكن منذ البداية كلانا  كان يريد الوصول  إلى باب البحر ، كلانا اتخذ القرار بمفرده ، دون آي ضغط  من الطرف الآخر .
الآن لم يعد في وسعنا غير الانتظار، ربما رفقاء الدرب يلحقون بنا، ربما استطعنا بعد حين استكمال الطريق، لكن كل ما اعرفه في تلك اللحظة إن الانتظار مخيف و مجهول .
مع حلول الليل كانت السماء متزينة بكامل حلاها لنا ، النجوم أجمل ما رأيناه،، لم نتكلم  عن السماء و لم نتأملها معا حتى،  ظل الصمت قابع بيننا، كل الأحاديث فرت في الظلام و تلك كانت أطول ليلة مرت علينا منذ بداية الرحلة و  كل ما تمنيناه هو إشارة بالنجاة .  


وحدي انا هنا رغم سماع أنفاسه جانبي ،   لم اعد أتذكر منذ متى بدأنا تلك المسيرة، و كيف تجمع شملنا هكذا، بدأت تلك التجربة  بعدد لا بأس به من الشباب، جميعنا  من مواليد  الثمانينات،  لا احد يعرف من نحن ، و لكننا نعرف بَعضُنَا بعضا جيدا ، بمجرد أن حدث لقاء غير مدبر؛  شيء ما داخل نظراتنا و بعض الكلمات المتناثرة داخل أحاديثنا  أكدت أننا ننتمي الى نفس المرفأ. جميعنا قاصدين الطريق ذاته المؤدي إلى باب البحر .
نحن من نحمل  داخل أرواحنا رجاء لحياة حقيقية ، بعيدة عن تيارات المعتقدات و الموروثات و الزيف.
 في ليلة قمرية اجتمعنا فيها، عقدنا العزم يومها للبحث عن باب البحر.
في بداية الطريق الكل حمل أمتعته خلف ظهره و بدأنا السير سويا،  مجموعة مؤلفة من عشرون شابا و شابة  ، نستمع إلى الموسيقى ، نستمتع  بكل بسيط و تلقائي ، و نجتمع في حفل ليلي للشواء نتناول وجباتنا حول الحطب المشتعل، نلعب سويا ، نتسامر و نتبادل أطراف الحديث عن تصوراتنا حول باب البحر،  منهم من قال إنها المدينة الفاضلة و آخرين  تخيلوا إنها ارض السعادة و السلام و اثنان أكدوا  إنها ارض الحرية، كان يقيني انه المكان الذي تستطيع ان تعيش فيه كما تملي عليك روحك، تأخذ ما تعلمته معك و تغربله من كل شائبة تشوه معها  الحياة،  أما هو كان يجلس خلفي، استمع إلى صوته و لا أرى وجهه ، قال بهدوء ، باب البحر هو اعتذار عن كل سوء  و حزن أكترثته الحياة في حقنا، مكان يسمح بان تطيب كل الجروح التي أحدثناها بحق أنفسنا. وجدتني منجذبة له و وجدته يضحك معي و يضحكني كثيرا،  و من حينها سلكنا الطريق سويا ، أتذكر اليوم الذي أفلت يديه للمرة الأولى،  عندما كان علينا أن نتسلق الجبل ، وقتها استسلمت و عبرت مع العابرين عبر الطريق الممهد ، رغم سهولته كان رطبا و شديد البرودة ، ثم التقينا من جديد بعد أيام  عند البحيرة صغيرة .استقبلني يومها مثل طفلة صغيرة عادت لأحضان أبيها.

تبدل صوت أنفاسه جانبي أصبحت متصارعة و عالية، و شعرت بضيق في صدري  لا أراه في الظلام و عندما صحت له،  سكت تماما و لم يرد على ندائي  في تلك الليلة  .
مع أول نور شق الظلمة استيقظ ، صوت خطاه  أيقظني ،   فتحت عيني، وجدته بعيدا يبحث عن  طريق أسفلت أو أثار سيارة ، و عندما عاد ، نظر إلي قائلا  لا طريق و لا أثر  ، قال باسما و هو يمسح الكحل من تحت عيني، ماذا سنفعل الان ، لولا ابتسامته لكان السؤال تغير مساره و امتلاء بالحيرة و اليأس ، وقتها زال الخوف عني و شعرت بقلبي  يضخ الدم في عروقي من جديد
 قلت له  لقد حان الوقت  لنغتسل تحت الشمس ، لأريك كل علة بي و تريني كل مخاوفك و هواجسك ، فإذا لم يتغير إحساسك، نستكمل الطريق سويا و إذا بادرك شعور بعدم الارتياح نأخذ طريق العودة ، كلانا يعرفه جيدا.
ظللنا نمشي تحت ضوء الشمس ، احكي له ثم يستوقفني و يعيد كلامي محاولا  تقليد طريقة حديثي و نبرة صوتي فأضحك من جديد له . و خلفنا من وراءنا أثار أقدامنا على الرمال،  أربعة  خطوط متوازية يسيرون معا، باحثين عن  أسطورة باب البحر